مترجم يبحث عن محاسب
عن قصة ليست نادرة كثيرًا في عالم النشر الأجنبي
في الأمس، تذكرت هذه القصة الطريفة من عالم دور النشر الأجنبية.
في العام 2004، قررت دار نشر فايكنغ-بنغوين الأميركية طباعة 800 ألف نسخة من الترجمة الجديدة لرواية “آنا كارنينا”، والتي أنجزها المترجم الأميركي ريتشارد بيفر مع زوجته لاريسا فولوكونسكي (لهما مدخل واحد في ويكيبيديا الإنكليزية).
كانت ترجمة بيفر ولاريسا قد نشرت أصلًا عن بنغوين عام 2000 في المملكة المتحدة، وقد بيع منها مئات من النسخ وحسب. في الولايات المتحدة، مع فايكنغ-بنغوين، طبع من الترجمة الجديدة 32 ألف نسخة، وكان الناشر هناك يأمل أن تساعد خطط التسويق للترجمة الجديدة في تعزيز مبيعاتها ومنافسة الترجمات المعروفة الرائجة، وخاصة ترجمة كونتسانس غارنيت.
لكن ما الذي حصل عام 2004 وجعل الناشر الأميركي يقرر طباعة 800 ألف نسخة؟
ما حصل هو أنّ أوبرا وينفري اختارت ترجمة الكتاب الجديدة وتحدثت عنها في الفقرة الخاصة بالكتب في برنامجها الشهير.
اتصل الناشر بريتشارد يومها، وكان في باريس، وأخبره وزوجته بما حصل. لم يفهم ريتشارد بيفر ولا زوجته معنى ذلك؛ لم يكونا يعرفان أصلًا من هي أوبرا ولم يعرفا شيئًا عن برنامجها. ولكي يساعدهما في تقدير معنى أن تتحدث أوبرا وينفري عن كتابهما، أخبرهما الناشر أن الدار ستسارع إلى طباعة 800 الف نسخة، في شهر واحد، من الترجمة.
تحدثت نيويوركر بعدها مع ريتشارد ولاريسا، وسألتهما عن تلك المكالمة مع الناشر، وعمّا عنت لهما بشرى الناشر لهما بطباعة ذلك الرقم من النسخ من الكتاب. فكان الرد البسيط من ريتشارد: “عرفنا حينها أننا أصبحنا بحاجة إلى محاسب”.
تبلغ مبيعات ترجمات ريتشارد ولاريسا من “آنا كارنينا”، وبضعة ترجمات أخرى لروايات روسية معروفة، إلى خمسين ألف نسخة سنويًا على الأقل في الولايات المتحدة.
***
تذكرت هذه القصة أمس وأنا أقرأ في نيويورك تايمز نعيَ فيليب كابوتو، الكاتب والصحفي الشهير (والجندي السابق الذي خدم في فيتنام)، صاحب كتاب “شائعة حرب” (Rumor of War)- وفيه مذكراته عن الحرب، ويقال إنه ترجم لعشرات اللغات، ولا أدري إن ترجم إلى العربية. يعدّ كتاب كابوتو من أشهر الكتب عن الحرب الفيتنامية (والتي كتب حولها في الولايات المتحدة الأميركية أكثر من 3500 عنوان). المهم، كتاب كابوتو هذا، حقق نجاحًا تجاريًا كبيرًا لما نشر عام 1977، وهو ما أتاح له أن يتقاعد من عمله في الصحافة، ويتفرغ للعمل الروائي.
وهذا كثير (نسبيًا)، وهي سيرة معقّدة في دور النشر الأجنبية، وظاهرة لافتة، وإن كانت “مصنّعة”؛ بمعنى أنّ النجاح الذي يتحقق لكاتب أو كاتبة ما، لا يتحقق صدفة هكذا لأنّ السوق قرر فجأة أن يعجب بكتاب معين، بل يحصل ذلك (كما يمكن للمرء أن يتخيل)، وفق اختيارات وتدخلات تحريرية وفوق تحريرية معقدة (تتدخل حتى بتعديل اسم المؤلف نفسه لو لزم) وحملات تسويق مباشرة وغير مباشرة، وخطط للكتابة عن الكتب الجديدة ومراجعتها ونشرها في مواعيد مختارة، وجولات وسفرات للقراءة والتعريف بالكاتب، وترتيبات فنية وتقنيات تسويقية متكاملة ومتداخلة، تضمن تحقق عائد على الاستثمار الذي بذله الناشر في كلّ ذلك.

