مقدّمات مالك التريكي لحواراته مع طه عبدالرحمن
هممت الفترة الماضية بمراجعة مقدّمات الأستاذ التونسي مالك التريكي في سلسلة حواراته الخالدة على برنامج “مسارات”، وهو برنامج تكفي العودة إلى شكله والنظر في عناصره وتفحص مضامينه لإثارة التحسّر البالغ على ما آلت إليه مثل هذه البرامج في المشهد الإعلامي العربي اليوم، ولاسيما تلك التي تندرج تحت مسمّى البودكاست، والتي لا تكشف في كثير من الأحيان سوى عن خفّة في المعرفة وتخفّف من التحضير، مع استخفاف بالضيوف وقدرهم وعدم عناية بالجمهور.
أنقل هنا مقدمات الأستاذ التريكي التي افتتح بها الحلقات الستة من حواره البديع والأصيل مع المفكر المغربي طه عبدالرحمن، والتي تدل على اطلاعه البحثي الشامل والمعمق على أعمال الرجل وفكره، مع روابط لتلك الحلقات على يوتيوب.
1
تمثل سمات الإعراض عن التقليد والاتباع، والاجتهاد في بلوغ غاية الإبداع، والحرص على اجتناب الآفات الفكرية المتفشية عربيًا- وخاصة آفتي الخلط بين الفلسفة والسياسة والفصل بين الفلسفة والمنطق- تمثل هذه السمات بعض أبرز مميزات المسار الفكري للفيلسوف المعروف الدكتور طه عبد الرحمن. ولهذا فإن لتفرد أستاذ المنطق وفلسفة اللغة في جامعة محمد الخامس في الرباط دون معظم المفكرين العرب بموقف دحض الرشدية والدعوة إلى وجوب ألا يكون عربُ اليومِ "رشديين"، دلالةً لا تنحصر في أهمية الحجج المنطقية والتاريخية التي يبني عليها هذا الموقف الجسور، بل إن هذه الدلالة تتسع لتشمل جوهر القضية المركزية التي وقف عليها طه عبد الرحمن عمره الفكري.
إذ بينما انتهى ابن رشد في "فصل المقال" إلى الحكم بأن فعل التفلسف فرض على الخاصة ولكنه يكاد يكون حرامًا على العامة، فإن مشروع ممثل الجمعية العالمية للدراسات الحجاجية الدكتور طه عبدالرحمن يدور على غرض مناقض وهو إقدار الإنسان العادي في البلاد العربية على التفلسف؛ أي منحه القدرة على ممارسة التفكير الفلسفي. ذلك أن طه عبد الرحمن، خريج السوربون والفائز مرتين بجائزة المغرب الكبرى للعلوم الإنسانية- قد انشغل بسبب معاينة انعدام الإبداع الفلسفي في الثقافة العربية المعاصرة، انشغل بسؤال كيف يكون المتفلسف العربي مبدعًا، حتى ملك همُّ الإبداع عليه أمره، فذهب في تجنب التقليد، سواءٌ كان سلفيًا أم حداثيًا كلَّ مذهب. وإذا كان هنالك تعارض في الظاهر بين غاية إقدار المواطن العربي على التفكير الفلسفي وبين خطاب طه عبد الرحمن ذي التركيب اللغوي الصارم والسبك التعبيري المتين، أي إذا كان هنالك تعارض ظاهري بين ديمقراطية المقصد والمعنى، وبين أرستقراطية الخطاب والمبنى، فذلك لأن طه عبد الرحمن يرى أن تحقيق التواصل لا يعني التدني إلى مستوى الكلام العاميّ، بل إنه يقتضى الارتقاء بالجمهور إلى مستوى الخطاب الذي يحترم العقل والذوق. ولهذا فإن القارئ لنصوص طه عبد الرحمن لا يملك إلا أن تأخذه الدهشة مما يتجلى فيها من جمعٍ غير متوقع بين الصرامة المنطقية والبنائية الاستدلالية التي تشفّ عن معمارها النسقي، وبين الجمالية اللغوية والروح الشاعرية التي تفعل فعلَ الطرب، حتى لكأن روح الشعر قد انبثت كالعطر، يضوع من جميع خلايا مقوله الفكري.
2
بينما عمل كثير من الباحثين المعاصرين في التراث العربي الإسلامي على عقلنة هذا التراث أو تنقيته أو استصلاحه باعتبار أن قسمًا قليلًا منه فقط ينسجم في رأيهم مع روح العصر، فإن المفكر طه عبد الرحمن الذي يرى أننا في التراث كما نحن في العالم لا اختيار لنا معه ولا انفصال عنه، قد آلى على نفسه أن يدرس التراث العربي الإسلامي في كليته دون تفضيل جانب على آخر، وأن يستخدم في تقويمه منهجية مستمدة من داخله، أي منهجية "مأصولة" حسب تعبيره لا منهجية منقولةً منزّلةً عليه من خارج سياقه الحضاري. وإذا كان اهتمام معظم الدراسات المعاصرة منصبًا على دراسة مضامين التراث باعتبارها أهم ما فيه، فإن اهتمام هذا المفكر المجتهد الذي يلقب في المغرب الأقصى بـ"أبي المنطق" قد انصبَّ على الوسائل والآليات التي تم بها إنشاء هذه المضامين، لأنه يرى أن لا بد أن يقام النظر المضموني على النظر الآلي حتى يثمر نتائج لا فساد فيها.
ومن هذه الآليات التي يسميها مأصولة آليةُ المناظرة، أي المحاورة الفكرية، التي استخرجها من التراث وجدد العمل بها وصاغها بأدوات المنطق الحديث، فصار يعرف بهذا العمل التجديدي خاصة منذ صدور كتابه ظ"في أصول الحوار وتجديد علم الكلام". ذلك أن طه عبد الرحمن الذي يعلق أهميةً بالغة على الحوار ويذهب إلى حد تنزيله منزلة الحقيقة قد توصل إلى قناعة هامة هي أن الحضارة الإسلامية قد ابتدعت عن طريق المناظرة عقلانيةً خاصة بها يسميها بالعقلانية الحوارية.
3
من العلامات الفارقة في مسار المفكر طه عبد الرحمن أن اختصاصه في مجال المنطق قد أسفر عن مفارقة تمثلت في اكتشافه لحدود العقل. إذ بينما يسود اعتقاد بأن العقلانية واحدة ثابتة لا تتغير، يؤمن طه عبدالرحمن أن العقلانية متعددة أي أنها عقلانيات عديدة. ولهذا فهو ينعى على بعض المفكرين والمثقفين العرب تعصبهم للعقلانية الديكارتية، هذا التعصب الذي يقول إنه بدأ منذ بداية إعجاب طه حسين بالثقافة الفرنسية، حيث يرى طه عبدالرحمن أن الأسباب الموضوعية للعقلانية الديكارتية قد انتهت في عقر دارها وانتهى معها بالتالي القول بصواب هذا العقلانية الأبدي وصلاحيتها لتقويم التراث الإسلامي. كما يقول إن ديكارت نفسه عرض عقلانيته في خطاب لا تنطبق عليه إلا معايير الاستدلال الحجاجي والبيان اللغوي ولا مكان فيه للبرهان الذي تدعي العقلانية الديكارتية التزامه. ذلك أن طه عبدالرحمن قد ميز منذ صدور كتابه "في أصول الحوار وتجديد علم الكلام" بين عقلانيتين على الأقل: العقلانية البرهانية التي تحكم الممارسة العلمية، والعقلانية الحجاجية التي تحكم علاقات التعامل اليومي بل وتشمل الفكر الفلسفي. ثم ميز في كتاب "العمل الديني وتجديد العقل" ميز بين عقلانيات ثلاث: العقلانية المجردة فالعقلانية المسددة ثم العقلانية المؤيدة. أما في كتاب "اللسان والميزان" فقد بلغ قوله بتعدد العقلانيات مداه الأقصى وهو أن العقلانيات أكثر من أن تحصى، وقد وضع لإفادة هذا المعنى مصطلحًا جديدًا هو "التكوثر العقلي".
4
بينما شاع بين المختصين والجمهور على حد سواء التصور بأن الفلسفة معرفة كلية وتجريدية وبرهانية لا يفتأ المفكر طه عبدالرحمن يؤكد ألا وجود لفلسفة برهانية، وذلك على حد تعبيره، رغم أنف مجموعة الفلاسفة من أمثال أرسطو وابن رشد وسبينوزا ولايبنتز. لهذا ينادي طه عبدالرحمن بضرورة إعادة النظر في هذا التصور التقليدي للفلسفة وقيام تصور جديد قائم على مبدأ التعدد والاختلاف. ومن هنا قوله بالحق الإسلامي في الاختلاف الفكري والحق العربي في الاختلاف الفلسفي. إلا أن أخطر ما في التصور التقليدي في نظره هو الاعتقاد بأن الفلسفة "نظرٌ مجرد" أو "مجرد نظر"؛ أي معرفة لا تستوجب أي عمل. ولا يقتصر هذا الاعتقاد على الحضارة الغربية التي تعيش في رأيه أزمة الصدق الناتجة عن فصل العلم عن الأخلاق وأزمةَ القصد الناتجة عن فصل العقل عن الغيب، بل إن هذا الاعتقاد قد كان له أيضًا أثر وخيم على الحضارة الإسلامية حيث أن الاشتغال بالفلسفة ظل مبعث الشبهات ليس بسبب مخالفة بعض أهلها لضوابط المجال التداولي الإسلامي- أي القواعد العامة التي تضبط العقيدة واللغة والمعرفة- ليس بسبب ذلك فحسب بل وبسبب خوضهم في أمور معرفية لا يصدقها عمل وليس من ورائها منفعة. وعلى هذا فإن هذا المفكر المسلم المتجملَ بالخلق الكريم يشترط في الفلسفة أن تكون علمًا ينفع؛ أي أن تكون معرفة من أجل العمل وحكمة هادية إلى مكارم الأخلاق.
5
"انظر تجد". من أشهر ما عرف به المفكر طه عبد الرحمن ترجمته للكوجيتو الديكارتي بـ"انظر تجد"، لأنه يعد العبارة الشائعة "أنا أفكر إذن أنا موجود" مجرد ترجمة حرفية سقيمة. إذ يقسّم رئيس منتدى الحكمة للمفكرين والباحثين، الترجمة إلفلسفية إلى مراتب ثلاث: الترجمة التحصيلية أي الترجمة الحرفية التي تغلبها ألفاظ النص الأصلي على أمرها، والترجمة التوصيلية أي التي تفي بغرض الأمانة المضمونية، ثم الترجمة التأصيلية أي الترجمة الإبداعية التي تتوخى التصرف في نقل النص الأصلي بما يتلاءم مع عبقرية اللغة المنقول إليها حتى لكأنها تنفي بتأصيليتها عملية النقل فتقع من نفس القارئ العربي موقع الأصل. ذلك أن طه عبدالرحمن الذي يعد الترجمة بمثابة السؤال المصيري للفلسفة العربية ينعى على الترجمة الفلسفية العربية تحصيليتها التي توقعها بالإخلال بمقتضيات المجال التداولي العربي ولا يقتصر هذا العيب المتمثل في انتهاك المتعارف عليه من طرائق البيان العربي على الترجمات الحديثة بل إنه يشمل معظم الترجمات القديمة. ولا يكاد يستثني طه عبدالرحمن من هذا القصور سوى ابن رشد الذي كان بينه وبين ابن طفيل حديث مشهور عن معالجة سُقم الترجمات أو ما سمياه برفع قلق العبارة الفلسفية. غير أن طه عبدالرحمن لا يعترف لابن رشد بالاتقان إلا في مجال الترجمة التوصيلية التي بلغت حد الشرح الوافي لنصوص أرسطو، أما ما ينسبه معظم المفكرين العرب والغربيين لابن رشد من التفرد فإن طه عبدالرحمن ينكره ويفنده بكثير من الحجج المنطقية والتاريخية. وبهذا يكون هو وأبو يعرب المرزوقي المفكرَين الوحيدين تقريبًا الخارجين على الإجماع الرشدي السائد ذلك أن طه عبد الرحمن الذي يمثل الإبداع لديه همًا يبلغ حد الهوس يقوّم إنتاج ابن رشد بمقياس الإبداع فيرى أن ازدواجية تكوين ابن رشد في الفلسفة والفقه لم تثمر إبداعًا في أي من المجالين؛ فلا هو أبدع في مجال الفلسفة من طريق الفقه على غرار الشاطبي، ولا هو أبدع في مجال علم الأصول من باب المنطق على غرار الغزالي.
6
رغم أن المفكر طه عبدالرحمن يعارض الرأي السائد بأن الأخذ بالتراث لا ينتج عنه إلا التقليد والعجز عن التجديد ورغم أنه يرى أن العمل بقيم الماضي المنتجة أولى من العمل بقيم الحاضر التي لا تُنتِج، فإنه يحمل على التقليد أيًا كان مأتاه سواءٌ كان سلفيُا أم حداثيًا، ذلك أن رئيس منتدى الحكمة للمفكرين والباحثين يرى أن عيب التقليد ليس حكرًا على السلفيين بل إنه أشنعُ لدى الحداثيين لأنه إذا كان أولئك يقلدون المتقدمين وتراثَ قومهم فإن هؤلاء يقلدون المتأخرين وتراث غيرهم، رغم اعتقادهم بأن الحداثة والتقليد ضدان لا يجتمعان. والسبب في ذلك أن محاولات التحديث الفكري والعملي في الواقع العربي تقوم على تصورٍ زمنيٍ للحداثة فتؤول إلى مجرد نقلٍ للحداثة في صورتها الشائعة في الغرب وذلك على أساس أن التقدم العربي يقتضي اللحاق بالركب الغربي. ولكن طه عبد الرحمن يرى أن شرط التحرر من هذه الحداثة المقلِّدة وتحقيق الحداثة المبدعة هو الخروج من ضيق حداثة الزمن إلى سعة حداثة القيم؛ أي الخروج من واقع الحداثة في تطبيقاتها الغربية المشهودة إلى روح الحداثة في قيمها الإنسانية ذات الاحتمالات التطبيقية اللامحدودة. ولهذا أصبح من أقواله الشهيرة أنه لا يكون لنا من الحداثة إلا ما لنا من القدرة على الإبداع وذلك تأكيدًا لتساوي جميع الأمم الحضارية في الانتساب إلى روح الحداثة متى ما أخذت بمبادئها الثلاثة أي الرشد والنقد والشمول.

