عن الرّجل الذي قرأ "لسان العرب" ولم يخبرنا بذلك
وعن الدور الحضاري الممكن لمشروع معجم الدوحة التاريخي
“.. الفتى مسحور بما يتعلّم، باللغة..” رام الله، عبّاد يحيى
أعرف قصّة رجلٍ قرأ “لسان العرب” كاملًا.
كنت، وأنا أدرس اللغة الإنجليزية في الجامعة الأردنية، أتردّد باهتمام على حلقةٍ لهذا الرجل يدرّس فيها متنًا في النحو العربيّ ويجيز الطلبة فيه. لا أنسى كيف كان يقرّبني في مجلسه، متجاوزًا البروتوكول في درسه الكلاسيكي المهيب. عرفت لاحقًا أنّ السببَ هو كوني الوحيد بين طلبته القادمَ إليه من كلية اللغات الأجنبية، أما البقية فكانوا من قسم اللغة العربية، ومن كليّة الشريعة والإلهيّات. ولمّا سألت عن قصّة هذا الأستاذ مع معجم ابن منظور، سمعتُ أنّ الأستاذ نهاد الموسى، رحمه الله، كان يعرّف به بأنّه “الرجل الذي قرأ لسان العرب”، وأنّه أعلم طلّابه بعلوم العربيّة. حضرت مع هذا الأستاذ الجليل مجلسًا آخر في شرح “البيان والتبيين” للجاحظ، (وكان يصرّ على أنّ الصواب في اسم الكتاب هو البيان والتبيّن، لا التبيين)، وكثيرًا ما تمنّيت لو أفهم منه شخصيًا كيف قرأ “لسان العرب”، وأن أكتب تقريرًا حول تجربته أقف فيه على منهجه الذي اتّبعه في القراءة، وكم استغرق منه ذلك. خلت أنّ في الأمر حكايةً طريفة يمكن أن تفتح بابًا واسعًا على علاقتنا مع اللغة والقراءة. لكنّي هبت الحوار معه؛ كان الرجل صارمًا في تصويب لغة من يتحدّث إليه من الطلبة، وفضّلت أن أجنّب نفسي الحرج، وأنا الطالب الدخيل، أمام طلبته المتخصصين.
مرّت سنواتٌ قبل مطالعتي لكتاب “آمون شيا” (Reading The OED)، أما عنوانه الفرعي: (رجلٌ واحد، عام واحد، 21،730 صفحة). الكتاب بسيط جدًا، يكاد يكون مملًا، وهو في شكله وعرضه لا يعدو على أن يكون تجميعًا لكلمات من قاموس أكسفورد التاريخي الكبير، في فصول مرتبة ترتيبًا على حروف المعجم الإنجليزي، أي من A إلى Z. يقول شيا في مقدّمة كتابه: “لو قررتَ أن تربض في مكانك لقراءة هذا القاموس كاملًا على مدى شهور عديدة، فعليك أن تهيّئ نفسك لثلاثة تغيّرات أساسيّة: ستعرف الكثير من الكلمات، وستبذل شيئًا من نور عينيك، وستشعر وكأنّ رأسك قد طاشت قليلًا..” ثم يضيف محذرًا: “لا يفكّر بالإتيان على قاموس أكسفورد الإنجليزي وقراءته كاملًا، إلا من فيه طائفٌ من جنون”.
فكّرت مجدّدًا بالأستاذ اللغويّ الذي قرأ مجلّدات “لسان العرب” كلّها: هل استخفّ عقلَه مثل آمون حين فعل ذلك؟ هل تراه استعظم ما فعل إلى درجة أن يكتب عنه مقالًا عامًّا، فضلًا عن كتاب كامل؟ وهل قرأ يا ترى معاجمَ جامعةً أخرى: القاموس المحيط مثلًا، أو ترتيبه، أو “تاج العروس” أو “الصحاح”؟ هل ثمّة تقليد في الثقافة العربية في قراءة المعاجم وحفظها؟ هل كان ذلك من مقتضيات التدريب والإجازة في فنون الأدب وعلوم اللغة؟ هل كان شرطًا متوقعًا وسائدًا، على غرار حفظ المتعلمين القرآن الكريم مثلًا أو متون اللغة الأخرى وأمّهات الكتب؟ هل كانت قراءة المعاجم الكبرى عادة متّبعة ومطلبًا لا غنى عنه لطالب العلم؟
لا أدري.
ثمة ما يلزم فهمه في التاريخ الاجتماعي والثقافي للمعاجم العربية، وهاجسٌ فضولي يجذبني لتلمّس شيء من سيرتها هذه قديمًا وحديثًا، وما يرتبط بشأن أنماط تداولها والتفاعل معها معارضةً وترتيبًا أو إعادة ترتيب وشرحًا ونقدًا، وأهمّ من ذلك تشكيل تصوّر عن علاقة الناس بها؛ لست أدري أيّ شيء معتبر ومتكامل عن “جمهور” المعاجم العربية، لو صحّ الحديث عن جمهور لها حقًا، أو مستخدمين للقواميس العربية، أو هواة لجمعها ومولعين بمدارستها من غير المتخصصين، من أمثال آمون شيا، الذي جمع في مكتبة بيته أكثر من 1000 قاموس مرجعي، وعشق المعاجم وكتب عنها، حتى قرّرت إدارة قاموس أكسفورد الإنجليزي الاستعانة به محررًا استشاريًا.
ثمّة ملامح يمكن تلمّسها لهذه العلاقة. في ديباجة القاموس المحيط مثلًا، يثبت لنا مجد الدين الفيروزآبادي (ت. 1414) لمحة عن “إقبال الناس على صحاح الجوهري”، وهو القاموس الذي “خطا بالتأليف المعجمي أعظم خطوة عرفها تاريخ العربية”، بحسب وصف المحقق والأديب السعودي البارز أحمد عبدالغفور عطار رحمه الله في تحقيقه الشهير للعمل. أمّا في شرح تلك الديباجة فيروي لنا الشيخ نصر الهوريني (ت.1874)، حكاية عن أديبة من القرن الثاني عشر، هي زينب بنت أحمد الحسنيّة، كانت قد راسلت أحد أدباء عصرها تطلب منه قاموس الصحاح للجوهري، فكتبت إليه برسالة ضمّت أبياتًا من الشعر لافتة تدلّ على مكانة الكتاب بين أهل ذلك العصر تقول فيها:
مولاي موسى بالذي سمك السما وبحقّ من في اليمّ ألقى موسى
امنن عليّ بعارة مردودةٍ واسمح بفضلك وابعثِ القاموسا
كما قال آخر في مدح الصحاح للجوهري:
من رام في اللغة العلوّ على السها فعليه منها ما حوى قاموسها
مغنِ عن الكتب النفيسة كلها جمّاع شمل شتيتها ناموسُها
وفي كتاب “المزهر في علوم اللغة وأنواعها”، يخبرنا السيوطي (ت. 1515) بأنه ما من معجم في اللغة وصل “في كثرة التداول ما وصل إليه [معجم] الصحاح.. فهو في كتب اللغة نظيرُ صحيح البخاري في كتب الحديث”. وقد أقرّ بحقيقة هذا التداول العريض الفيروزابادي في خطبة قاموسه كما أشرنا أعلاه، كما أشار إلى ذلك من قبلهما ياقوت الحموي، فقال في معرض حديثٍ له عن الصحاح: “وهذا الكتاب هو الذي بأيدي الناس اليوم وعليه اعتمادهم”. وينوّه الأستاذ رمزي البعلبكي في كتابه الهامّ عن التراث المعجمي العربيّ إلى أنّ معجم “الصحاح” تبوّأ تلك الصدارة بين المعاجم العربية ما يقارب أربعة قرون، أي حتى ظهور القاموس المحيط للفيروزابادي.[i]
ثم علت سمعة “القاموس المحيط”، الذي وصفه صاحبه نفسه بأنّه “البحر الأعظم”، حيث قال: “وأسميته القاموس المحيط، لأنّه البحر الأعظم”! وفشت بين الناس دعوى تفوّقه على الصحاح، وهي الدعوى التي “طارت كلّ مطار” كما ينقل عبد القادر الحسيني الكوكباني (ت. 1792)، واختلف الناس والعلماء في ذلك اختلافًا شديدًا على ما يبدو، وجرت في المقارنة بين العملين الكثير من المناقشات والمناظرات ممّا يعرفه المتخصصون، ولا يسعني نقله هنا.
لكن من الشعر الذي ينقله الكوكباني في كتابه “فلك القاموس” مما قيل في المنافسة بين صحاح الجوهري وقاموس المجد الفيروزآبادي قول أحدهم:
مذ مدّ مجد الدين في أيّامه من بعض بحر علومه القاموسا
ذهبت صحاح الجوهري كأنها سحر المدائن حين ألقى موسى
في إشارة إلى تفوّق القاموس المحيط.
أمّا مرتضى الزبيدي، صاحب “تاج العروس”، والمتوفى عام 1790، فيصف لنا الشهرة التي حققها “القاموس المحيط”، ويخبرنا بأنه “قد اخترق الآفاق مشرقًا ومغربًا، وتدارك سيره في البلاد مصعّدا ومصوّبا، وانتظم في سلك التذاكر... واشتهر في المدارس.. وخفّ على المدرّسين أمرُه إذ تناولوه، وقرب عليهم مأخذه فتداولوه وتناقلوه”.
غير أنّ المضيّ في استقصاء أرحب وأعمق وأكثر تفصيلًا وتقريبًا للحياة الأدبية والاجتماعية للقواميس العربية التي تلت تلك الحقب وصولًا إلى الحقبة الحديثة، ونقل الحديث عنها من نطاق التخصص الضيّق إلى الحيّز العموميّ الأوسع؛ في المدارس والجامعات، وفي المكتبات والندوات العامة، وفي الصحافة والتلفاز، وفي منصات البودكاست ووسائل التواصل الاجتماعي، سيكون مطلبًا ضروريًا إذا ما كانت هنالك رغبةٌ في إنعاش هذه اللغة والتمسّك بها وترميم الصلة بأدواتها ومصادرها وتراثها. ويتأكد هذا المطلب اليوم بشكل خاصّ، ذلك أنّه قد توفر للعرب أخيرًا قاموس تاريخيّ واسع ومهيب، هو معجم الدوحة التاريخيّ للغة العربية، ينهضُ بفكرة التنوير والإصلاح والنهضة، ويجدد الرغبة الواعية في تعميم الاشتباك مع اللغة العربية وفهم شخصيّتها، ويدافع عن الحق بها لغةً للثقافة وللسياسة وللفن وللتدريس والبحث العلمي. فالمعاجم، ولاسيما التاريخية منها، فيها “علم الأوضاع الشخصية للمفردات”، كما يخبرنا المرحوم الطاهر الزاوي في مقدمة ترتيبه البديع للقاموس المحيط، وهو تعريفٌ أثار لديّ تساؤلًا فضوليًا مقابلًا عن الأوضاع الشخصية لمعاجمنا نفسها وأشكال علاقتنا معها؛ وأين تقف هي مثلًا من ثقافتنا الأدبية وذاكرتنا الشعبية ومخيالنا العامّ، كيف تؤثر في أفكارنا ومقاربتنا للغة وسؤال الكتابة؟ وما هي إمكاناتها الحضارية؟ وما الشكل الصحيّ لعلاقتنا نحن المستخدمين مع صنّاع المعجم وأهله والقائمين عليه، وماذا عن تصوّرهم لعلاقتهم بنا؟ كيف كانت في الماضي، وكيف يمكن أن تتبلور في المستقبل؟
فلنسأل أنفسنا مثلًا: كم مرّة في الدراما أو السينما العربية ورد عرَضًا أيّ ذكر للمعجم، أيّ معجم، أو كان مدارَ مشهد ما خلافٌ على تعريف كلمة أو استخدام لها، فكان حلّه اللجوء إليه؟ مجددًا، لا أزعم أني أملك جوابًا قاطعًا قائمًا على أيّ استقصاء علميّ، غير أنّي على الأقل أعرف أنّ هذا شائعٌ في سياقات أخرى، حيث تُستدعى القواميس عفويًا وتحيل على كائنات مفهومة لها موقعها في الثقافة بين جماعة من البشر. انظر مثلًا هذا المقطع من مسلسل “ذا واير” (The Wire)، حيث محرّر الديسك يراجع نصًا لكاتبة صحفية، فيصحّح لها بنبرة جازمة استخدامها الخاطئ لإحدى الكلمات، غير أنّ كبرياء تلك الصحفية الشابة يدفعها إلى استشارة سلطة بدت لها أعلى من مديرها المحرر، وهي القاموس. يرى المشاهد القاموس حاضرًا في غرفة الأخبار في ذلك المشهد، ويعرف أنّ له مكانًا ثابتًا واعتبارًا متفقًا عليه وهيبة، وربما سيعرف لو تملّكه الفضول، أنّ غرف الأخبار الأجنبية تختار قاموسًا ما مرجعيًا وتعتمده في الخلافات بين المحررين والصحفيين، وأن تلك ثقافة راسخة فعلًا في كبرى الصحف ووكالات الأنباء، مثل الأسوشيتد برس ونيويورك تايمز ونيويوركر وغيرها.
والأمثلة عديدة ويمكن تعقّبها والقراءة عنها؛ فهذا التفاعل بين ما يجري في حيّز الثقافة العموميّة والشعبيّة وبين “مؤسسة القاموس” ليس ادّعاء ولا انطباعًا متعجلًا أو انبهارًا ساذجًا. (هو في الواقع إعجابٌ بأمثلة يمكن التعلّم منها لا أكثر). في مسلسل “ذا نيوز روم” (The Newsroom)، مثال آخر طريف يدلّ على الحضور الواسع للقاموس ومركزيّته في النقاشات ذات الصلة باللغة عندهم، وبالأخص، ومجددًا، كما في المثال السابق، في السياقات الصحفية وعوالم غرف الأخبار. ثمّة دنيا بحالها من النقاشات التي تدور باللغة وحول اللغة، كثيرًا ما يؤول الحكم فيها إلى المعاجم.
أمّا الأدلة التي تحكي ضعف صلتنا نحن بالمعاجم فكثيرة، غير أنّه ليس بينها أطرف من القصّة التي أوردها أحمد فارس الشدياق، والتي يقول فيها يروي عن نفسه لمّا نزل ضيفًا عند راهب في ديرٍ من الأديرة، فناله بعض الأذى من طعام طعمه عنده، فقرّر أن ينفّس عن غضبه بكتابة بيتين من الشعر، لكن التبست عليه لفظة احتار فيها، فاحتاج إلى قاموس. وأترك الكلام هنا للشدياق مع بعض الاختصار:
فالتبست عليه [الفارياق] لفظةٌ فقام في طلب القاموس، فطرق باب جاره، وكان من المتحمّسين في الدين، فقال له: “هل عندك يا سيدي القاموس؟”، قال: “ما عندنا بالدير جاموس، بل ثيران.. فطرق بابَ آخرٍ فقال له: هل لك في أن تعيرني القاموس ساعة؟ قال: اصبر عليّ إلى نصف الليل، فإنّ الكابوس لا يأتيني إلا في هذا الوقت. فمضى إلى غيره وأعاد عليه السؤال: فقال له: أي شيء هو هذا القاموص يا ماغوص.
وقد عرّض الشدياق في تلك القصّة بجهل فئة من النّاس في زمانه وعدم معرفتهم بما هو القاموس أصلًا، فضلًا عن اقتنائه. وقد صرح بذلك في مقطع آخر فقال:
.. وناهيك دليلًا على جهلهم أني سألت أشدّهم تحمّسًا أن يعيرني القاموس فظنّه الجاموس، وآخر ظنّه الكابوس، وآخر القاموص. فبادر يا صاحٍ وتخلّص منهم هداك الله، وإلا فتكون لا من أهل الدنيا ولا من أهل الآخرة، فإنّ دين الجاهل عند الله ليس بشيء.
كانت تلك- على نحو ما- حالة لنا مسجّلة مع القواميس وصفها الشدياق في منتصف القرن التاسع عشر، لمّا ألّف “الساق على الساق” ولم يكن بين يديه من الكتب العربية ما يراجعه سوى القاموس، بحسب ما زعم في مقدّمة كتابه الطريف، وهو سفرٌ قاموسيّ بامتياز. لكنّ الحال كانت على خلاف ذلك في أوروبا في تلك الفترة بل قبلها بكثير، أي حين بلغت شهرة القواميس وكثرتها وانتشارها حدًا وصفه آيبل بوير (Abel Boyer)، وهو أحد أدباء الفرنسيين واللغويين في نهاية القرن السابع عشر، بقوله: “ليس ثمّة حضور يطغى اليوم على حضور القواميس، لقد باتت في مكان”، وكان ذلك مثيرًا للإعجاب والزهوّ في نظر معاصريه، ومن بينهم أنطوان فورتير (Antoine Furtiere) الذي قال: “لا يمكن وجود قدرٍ من المعاجم يفوق الحاجة”، قاصدًا في ذلك أنّ هذه المراجع اللغوية لا تبلغ أبدًا حدًا فائضًا مهما كثرت وتعددت، لأنّ كلّ قاموس هو وجهة نظر في الثقافة وفي اللغة وفي أحوالها وأحوال أهلها ومستخدميها.[ii]
وقد استمرّ هذا الاهتمام بحياة القواميس في مجتمعاتها من بعد ذلك، ولاسيما مع قاموس صامويل جونسون في منتصف القرن الثامن عشر، والذي يعدّ أحدَ الأمثلة المبكرة البارزة على علاقة الصنعة المعجمية بالمجتمع، وما احتشد حول هذا العمل اللغوي الرائد من سير وحكايا تتصل بشهرته ومبيعاته واقتنائه، وكيف صار موضوعًا للتهادي والاستعارة بين الناس، حتى صار ظاهرة ثقافية كبرى في زمنه.[iii]
تزدهر القواميس حيث يزدهر البشر. هكذا تخبرنا الباحثة المعجمية الأمريكية ليندسي روز راسل، صاحبة كتاب “المرأة وصناعة القاموس” (Women and Dictionary-Making)، والقواميس منتجات تعبّر عن حالة الثقافة والإبداع في أي مجتمع، بل ينبغي فهمها أولًا من باب أنّها تعبير عن ثقافة وشخصيّة المجتمع التي أنتجها وطموحاته وآماله ومشاكله.
ولنا في التلازم بين العمل الموسوعي والمعجمي وارتباطهما بحلم النهضة والتنوير والتمدّن ومحاربة الجهل والاتكاء على الغيبيات أمثلة عديدة من التاريخ القريب والبعيد، فمن البعيد (نسبيًا) يطالعنا المعلّم بطرس البستاني، في محيط المحيط- وهو قاموسه الذي أراد له أن يحوز القبول “لدى أبناء الوطن العربي وغيرهم من مطالعي اللغة العربية ودارسيها.. كخدمة متواضعة من محبّ للوطن، أجلُّ مرغوباته ومقاصده أن يرى أبناء وطنه يتقدمون في الآداب والمعارف والتمدّن تحت لغتهم الشريفة”، وفي دأبه ودأب عائلته على وضع “دائرة المعارف” التي أراد لها المعلّم البستاني أن تكون من أسباب المنافع العمومية” ومساعدة الأمم الشرقية وهي توسّع خطاها “في سبيل التمدّن والارتقاء في سلم المعارف”.
أمّا من القريب المعاصر، فمشروع معجم الدوحة التاريخي، الذي يذكّر بتلك الروح النهضوية الأولى من القرن التاسع عشر، ويحيي قدرًا من الأمل الضروري والثقة بأن همّة مثابرة واحدة، قد تبعثُ الحياة في معجم كبير موسوعي تكرر تعثره وطال انتظاره، وتقدمُ الدليل العمليّ على أنّ “العيب ليس في اللغة العريقة والغنية هذه” كما قال عزمي بشارة مطلع مايو 2013، بل “في من يستخدمون اللغة، فإذا نهضوا نهضت معهم. ولكنّهم لا يمكن أن ينهضوا إلا بلغتهم، والنهضة العربية تكون باللغة العربية”. لقد جاء هذا التعليق في متن تقديم بشارة كتابًا ضمّ أوراقًا بحثيّة من ندوة باتت تعرف باسم “ندوة الخبراء الأولى”، وهي ندوة تمهيدية لإطلاق مشروع معجم الدوحة التاريخي، أمّا العنوان الذي اختير لكلمته الموجزة في صدر ذلك الكتاب فقد كان: “ربّ همّة أحيت أمّة”. ولعل من ينظر في منجز معجم الدوحة التاريخيّ المكتمل اليوم، يدرك طرفًا من معنى هذه العبارة على الحقيقة، ربّما لأول مرّة من زمان بعيد، وبلا هتر ولا مبالغات خطابية.
ولا يمكن والحال هذه، ونحن نتابع الإعلان عن اكتمال هذا المشروع، تجاهل مغبّة اتّساع المسافات الفارقة بين العمل المعجمي المتخصص وبين الثقافة العامة، وبين المنشغلين في مشروع المعجم وبين جمهوره ومستخدميه الفعليين أو المرجوين والمحتملين. فلا بدّ من العمل المستمر على موضعة المعجم داخل المستوى التطبيقي والتداولي والثقافي العامّ، وأن تكون موادّه وأعماله ومداولاته مادّة يتاح لجميع المهتمّين الوصول إليها بشفافية ووضوح، وأن يكون هذا التفاعل شكلًا خلّاقًا جديدًا وجريئًا يستوعب هذا الإنجاز الحضاري الضخم بكل أبعاده وإمكاناته المختلفة، ليكون كما نأمل ويأمل القائمون عليه، نقطة ارتكاز لنهضة عربيّة حقيقيّة ما.
[i] انظر: التراث المعجمي العربي من القرن الثاني حتى القرن الثاني عشر للهجرة لرمزي البعلبكي، ص485، وص486.
[ii] انظر هذه الفكرة في كتاب كامبردج المرجعي في علم القاموس: Cambridge Handbook of the Dictionary، صفحة 301 وما بعدها، حيث الإشارة أيضًا إلى أنّ تلك أيضًا كانت فترة ولدت فيها وشاعت مفردات جديدة تدلّ على حبّ الكلمات والقواميس والولع بها، مثل (lexicophilia) و(lexicomania)
[iii] المرجع السابق، ص303

